عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
84
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد تغير ، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف فقال : « إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف » ثم أسرّ إلى عليّ ، فقال علي : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم ، قال : فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا ، لا يقرأها صاحبه . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة . وفي السنن الكبير « 1 » عن سليمان بن صرد عن أبيّ بن كعب قال : قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها ، فأتينا النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقلت : ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : « بلى » ، قال ابن مسعود : ألم تقرئنيها كذا وكذا ؟ قال : « بلى » ، قال : « كلاكما محسن » ، قلت : ما كلانا أحسن ولا أجمل ، قال : فضرب صدري وقال : « يا أبيّ إني أقرئت القرآن ، فقيل لي : أعلى حرف أم على حرفين ؟ فقال الملك الذي معي : على حرفين ، فقلت : على حرفين ، فقيل لي : أعلى حرفين أم ثلاثة ؟ فقال الملك الذي معي : على ثلاثة ، فقلت : ثلاثة ، حتى بلغ سبعة أحرف » ، قال « ليس فيها إلّا شاف كاف ، قلت : غفور رحيم ، عليم حكيم ، سميع عليم ، عزيز حكيم ، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب » . قال أبو عبيد : قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة ، إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أنزل القرآن على ثلاثة أحرف » « 2 » . قال أبو عبيد : ولا نرى المحفوظ إلا السبعة ، لأنها المشهورة . قلت : أخرج حديث الثلاثة الحاكم في مستدركه ، فيجوز أن يكون معناه : أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف ك جَذْوَةٍ [ القصص : 29 ] و الرَّهْبِ [ القصص : 32 ] و الصَّدَفَيْنِ [ الكهف : 96 ] ، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءات المشهورة ، أو أراد : أنزل ابتداء على ثلاثة ، ثم زيد إلى سبعة ، واللّه أعلم . ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وعلى أكثر من ذلك إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معانيها ، وقد جاء عن ابن مسعود : ليس الخطأ أن يدخل بعض السورة في الأخرى ولا أن تختم الآية بحكيم عليم ، أو عليم حكيم ، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس فيه ، وإن تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة . وقال الأعمش : سمعت أبا وائل يحدث عن عبد اللّه بن مسعود قال : سمعت القراء فوجدتهم متقاربين ، اقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف ، فإنما هو
--> ( 1 ) السنن الكبرى للبيهقي 2 / 383 . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 2 / 223 ، والطبراني في المعجم الكبير 7 / 249 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 152 .